ابن يعقوب المغربي

211

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

ملابسة وجوده فيكون غريبا لبعده عن الجملة التي تسبق إلى النفس لعمومها وكثرة أفرادها ، والتكرار على الحس إنما ينفى الحاجة إلى التأمل إن كان الوجه فيه باديا قليلا ، ليكون كلما لوحظ أدرك فيه الوجه أو قد تقدم ، ما يفهم منه أن بذلك يكون الابتذال في المحسوس ، وأن النظر بالعين يكون فيه إدراك الجملة ، أو إنما يكون فيه ما هو كتصور الجملة بالقلة والظهور ، وأما عند وجود الكثرة فلا ، ولذلك لو رأيت المرآة في كف المرتعش دائمة الاضطراب وتكرر عليك إحساسها لم يوجب النظر المتكرر ابتذالا فيها ، لما يبدو من الاستدارة والاستنارة ما هو مثلها ، وأما ما سوى ذلك من الحركة وتموج الإشراق فيهم للفيضان على أطراف الدائرة ثم يبدو له فيرجع ، وإنما يدرك بمزيد تكرر اللفظ وإحداده مرة بعد أخرى مع مصاحبة التأمل في هيئة اجتماعهما ، وهل كانت كذلك في الطرفين معا أم لا ، فلهذا مثل لهذا بقوله : وذلك ( كقوله والشمس كالمرآة في كف الأشل ) ولا يخفى ما فيه من التفصيل في وجه الشبه الذي لا يدرك إلا بعد إمعان النظر والتأمل في تحقق مجموع الكيفية في الطرفين ، وقد تقدم بيانها كما أشرنا إليها آنفا فيكون بالحاجة إلى الإمعان والتأمل غريبا ؛ لأن الإمعان والتأمل ليس إلا للخواص دون العامة أهل المجازفة ، فإن قيل الحاجة إلى إمعان النظر في مثل هذا ظاهرة ؛ لأن النظر الأول أو ما يجرى مجراه مما لا إمعان فيه ، ولو تكرر إنما يدرك الجملة أو ما هو كالجملة في الوضوح كما تقدم ، وأما الحاجة إلى التأمل فإنما هو في العقليات لا في الحسيات ( قلت ) يكفى في نفى الابتذال الحاجة إلى تدقيق النظر وزيادة ذكر التأمل في مثل ما ذكر ؛ لأن تحقيق تلك الهيئة الاجتماعية في الطرفين ونفي احتمال أن تكون في أحدهما أنقص أمر عقلي وإن أسند إلى الحاسة ، فيسمى الحكم به تاما لتوقفه على الإمعان بالحاسة كتوقف غيره على نظر فليتأمل . ( أو ندور ) عطف على قوله : لكثرة أي : خفاء الوجه الموجب للغرابة إما لما فيه من كثرة التفصيل ، وإما لندور أي : قلة ( حضور المشبه به ) في ذهن المتكلم ، فإن ندورة الحضور تستلزم عدم إدراك تقرر الوجه في المشبه به على وجه الكثرة ، بمعنى أن اتصاف المشبه به لا يتصور حيث ندر حضوره إلا نادرا إن أدرك فيه ، وإذا لم يتصور اتصافه